الأفوكاتو المصرى

اهلا بك زائرنا الكريم يشرفنا انضمامك الينا ومشاركتنا
الأفوكاتو المصرى

اسلاميات ،، تعارف ،، افلام،، البومات ،، برامج ،، استشارات قانونيه ،، مجالات متعددة

مساحة إعلانية مساحة إعلانية مساحة إعلانية مساحة إعلانية مساحة إعلانية مساحة إعلانية مساحة إعلانية

It Is Time to know Muhammad The Prophet Muhammad

TvQuran

    شرح احاديث الاربعين النووية

    شاطر

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في السبت أغسطس 21, 2010 11:39 pm

    [font=Arial Black][size=24]الحديث الأربعون

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبيّ فقال
    : ( كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل ) .

    وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك " . رواه البخاري .

    الشرح

    عندما نتأمل في حقيقة هذه الدنيا ، نعلم أنهالم تكن يوما دار إقامة ، أو موطن استقرار ، ولئن كان ظاهرها يوحي بنضارتها وجمالها ، إلا أن حقيقتها فانية ، ونعيمها زائل ، كالزهرة النضرة التي لا تلبث أن تذبل ويذهب بريقها .

    تلك هي الدنيا التي غرّت الناس ، وألهتهم عن آخرتهم ، فاتخذوها وطنا لهم ، ومحلا لإقامتهم ، لا تصفو فيها سعادة ، ولا تدوم فيها راحة ، ولا يزال الناس في غمرة الدنيا يركضون ، وخلف حطامها يلهثون ، حتى إذا جاء أمر الله انكشف لهم حقيقة زيفها ، وتبين لهم أنهم كانوا يركضون وراء وهم لا حقيقة له ، وصدق الله العظيم إذ يقول : { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور }
    ( آل عمران : 185 ) .

    وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليترك أصحابه دون أن يبيّن لهم ما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم في الدنيا ، ودون أن يحذّرهم من الركون إليها ؛ فهو الرحمة المهداة ، والناصح الأمين ، فكان يتخوّلهم بالموعظة ، ويضرب لهم الأمثال ، ولذلك جاء هذا الحديث العظيم بيانا وحجة ووصية خالدة .

    لقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبيّ عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ؛ ليسترعي بذلك انتباهه ، ويجمع إليه فكره ، ويشعره بأهمية ما سيقوله له ، فانسابت تلك الكلمات إلى روحه مباشرة : ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) .

    وانظر كيف شبّه النبي صلى الله عليه وسلم مُقام المؤمنين في الدنيا بحال الغريب ؛ فإنك لا تجد في الغريب ركونا إلى الأرض التي حل فيها ، أو أنسا بأهلها ، ولكنه مستوحش من مقامه ، دائم القلق ، لم يشغل نفسه بدنيا الناس ، بل اكتفى منها بالشيء اليسير .

    لقد بيّن الحديث غربة المؤمن في هذه الدنيا ، والتي تقتضي منه التمسّك بالدين ، ولزوم الاستقامة على منهج الله ، حتى وإن فسد الناس ، أو حادوا عن الطريق ؛ فصاحب الاستقامة له هدف يصبو إليه ، وسالك الطريق لا يوهنه عن مواصلة المسير تخاذل الناس ، أو إيثارهم للدعة والراحة ، وهذه هي حقيقة الغربة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء ) رواه مسلم .

    وإذا كان المسلم سالكاً لطريق الاستقامة ، حرص على قلّة مخالطة من كان قليل الورع ، ضعيف الديانة ، فيسلم بذلك من مساويء الأخلاق الناشئة عن مجالسة بعض الناس كالحسد والغيبة ،
    وسوء الظن بالآخرين ، وغير ذلك مما جاء النهي عنه ، والتحذير منه .

    ولا يُفهم مما سبق أن مخالطة الناس مذمومة بالجملة ، أو أن الأصل هو اعتزال الناس ومجانبتهم ؛ فإن هذا مخالف لأصول الشريعة التي دعت إلى مخالطة الناس وتوثيق العلاقات بينهم ،
    يقول الله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ( الحجرات : 13 ) ، وقد جاء في الحديث الصحيح :
    ( المسلم إذا كان مخالطا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) رواه الترمذي ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين كان يخالط الناس ولا يحتجب عنهم .

    وإنما الضابط في هذه المسألة : أن يعتزل المرء مجالسة من يضرّه في دينه ، ويشغله عن آخرته ، بخلاف من كانت مجالسته ذكرا لله ، وتذكيرا بالآخرة ، وتوجيها إلى ما ينفع في الدنيا والآخرة .

    ولنا عودة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كأنك غريب ، أو عابر سبيل ) ، ففي هذه العبارة ترقٍّ بحال المؤمن من حال الغريب ، إلى حال عابر السبيل .

    فعابر السبيل : لا يأخذ من الزاد سوى ما يكفيه مؤونة الرحلة ، ويعينه على مواصلة السفر ،
    لا يقر له قرار ، ولا يشغله شيء عن مواصلة السفر ، حتى يصل إلى أرضه ووطنه .

    يقول الإمام داود الطائي رحمه الله : " إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة ، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ؛ فإن انقطاع السفر عما قريب ، والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك ، واقض ما أنت قاض من أمرك "

    وهكذا يكون المؤمن ، مقبلا على ربه بالطاعات ، صارفا جهده ووقته وفكره في رضا الله سبحانه وتعالى ، لا تشغله دنياه عن آخرته ، قد وطّن نفسه على الرحيل ، فاتخذ الدنيا مطيّة إلى الآخرة ، وأعد العدّة للقاء ربه ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت الآخرة همه ، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة )
    رواه الترمذي .

    ذلك هو المعنى الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصله إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ، فكان لهذا التوجيه النبوي أعظم الأثر في نفسه ، ويظهر ذلك جليا في سيرته رضي الله عنه ، فإنه ما كان ليطمئنّ إلى الدنيا أو يركن إليها ، بل إنه كان حريصا على اغتنام الأوقات ، كما نلمس ذلك في وصيّته الخالدة عندما قال رضي الله عنه : " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك " .


    منقققققققققققققققققققققققوووووووووووووووووول
    والله ولى التوفيق

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في السبت أغسطس 21, 2010 11:42 pm


    الحديث الثاني الأربعون

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عزوجل : يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي ، وقال : " حديث حسن صحيح " .


    الشرح

    بين يدينا حديث يأسر القلب ، ويأخذ بمجامع النفس ، يستمطر الدمع ، ويهيّج في الوجدان مشاعر التوبة والرجاء ، لتتلاشى معه أسباب اليأس والقنوط ، إنه هتاف سماويٌّ لو تردد في جنباتنا لأفاض عليها شوقا وحنينا إلى خير من مُدّت إليه الأيادي ، ولهجت بذكره الألسنة ، فيالها من موعظة ، ويالها من تذكرة .


    لقد جاء الحديث ، ليزفّ إلى الناس البشرى ، فرحمة الله واسعة ، وفضله عظيم ، لا يقف عند حدّ ، ولا يحصيه عدّ ، فغدا هذا الحديث إبهاجا للتائبين ، وأملاً للمذنبين ، وفرصة لمن أسرف على نفسه بالمعصية ، أو فرّط فيما مضى من حياته ، ولعلك – أيها القاريء الكريم – تدرك بذلك سر المكانة التي حازها هذا الحديث دون غيره ، حتى إن كثيرا من العلماء ليرون أنه أرجى حديث في السنة كلها .


    وتتجلّى معالم الحديث في بيانه لأسباب حصول المغفرة ، ويأتي الدعاء في مقدّمة تلك الأسباب ، والدعاء قربة عظيمة ، وصلة مباشرة بين العبد وربّه ، وهي سلاح المؤمن الذي يتسلّح به في الشدائد والكربات .


    وقد حثنا الله تعالى على الدعاء في عدّة مواضع من كتابه ، فقال تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) ، وقال سبحانه : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ( البقرة : 186 ) ، بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) رواه الترمذي ، وصدق الشاعر إذ قال

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبنيّ آدم حين يُسأل يغضب


    بيد أن لهذه العبادة شروطاً ينبغي استكمالها ، ليكون الدعاء جديراً بالإجابة ، وأدعى للقبول ، فمن ذلك : حسن الظن بالله ، والرجاء والأمل بالمغفرة ، كما بيّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم في قوله : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ) رواه الترمذي ، ولابد أن يكون لهذا الرجاء رصيداً من العمل الصالح ، لا أن يكون مجرد أمنية وأحلاماً زائفة .


    وإضافة إلى ذلك : فإن على المسلم حال دعائه أن يعزم في المسألة ، ويجزم في الطلب ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة ؛ فإنه لا مكره له ) رواه البخاري .


    ثم ينتقل بنا المطاف إلى الحديث عن الاستغفار ، وهو طلب الستر والتجاوز عن الذنب ، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المستغفرين في كتابه فقال : { والمستغفرين بالأسحار } ( آل عمران : 17 ) ، كما رتّب حصول المغفرة عليه فقال : { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } ( النساء : 110 ) .


    وعلاوة على ذلك ، فإن للاستغفار مزيد فضل على غيره من العبادات ، إذ لا تقتصر بركته على محو الخطايا وتكفير السيئات ، بل يمتدّ خيره إلى السماء فتنزل أمطارها ، وإلى الأرض فتنبت زروعها وثمارها ، ويحصل به النماء في الذريّة ، والقوّة في العُدّة ، ولا أدلّ على ذلك من قوله تعالى : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } ( نوح : 10 – 12 ) .


    فمن هنا : لم يكن غريبا أن ترى الأمر بالاستغفار في كثير من الآيات الكريمات ، ولم يكن غريبا أن يتكرر الاستغفار على لسان كثير من الأنبياء والمرسلين ، بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يُعدّ له في المجلس الواحد مائة استغفار ، كما ورد في سيرته .


    ولا يكون الاستغفار صادقا إلا حين يصدر من قلب مؤمن مستحضر لجلال الرب وعظمته ، نادم على ما كان منه من تفريط وتقصير ، عازم على التوبة والإنابة ، وإلا فهي توبة جوفاء ، لا تنفع صاحبها .


    ثم إن أعظم أسباب المغفرة وأجلّها تحقيق جوانب التوحيد ، والإتيان به على أكمل وجه ، وقد أعلمنا ربنا بذلك في كتابه حينما قال : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ( الأنعام : 82 ) ، فامتدح من كان إيمانه نقيّا خالصا من عوالق الشرك ، وبشّرهم بالسلامة من دخول النار ، ولا عجب في ذلك ، فإن الذنوب كلها تتصاغر أمام عظمة التوحيد ، ومن ثمّ تكفّل الله تعالى لمن لم يشرك به شيئاً أن لا يعذّبه ، كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه : ( وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئاً ) رواه البخاري .


    وبهذا نكون قد انتهينا من تناول أحاديث الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله ، فالحمد لله على ما منّ به علينا ، ونسأله سبحانه أن يقيل عثراتنا ويعفو عن زلاتنا ، ويعيننا على طاعته ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في السبت أغسطس 21, 2010 11:44 pm

    الحديث السابع و الثلاثون

    عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن : فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف ، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما.

    الشرح

    أفعال الله تعالى دائرة بين الفضل والعدل ، فما من تقدير في هذه الحياة ، بل ولا شيء في الدنيا والآخرة ، إلا داخلٌ ضمن فضل الله وعدله ، فرحمته سبحانه بالمؤمنين فضل ، وتعذيبه للعاصين عدل ، وهو – جلّ وعلا – مع ذلك أخبر أن رحمته سبقت غضبه ، وأن رحمته وسعت كل شيء ، وأَمَرَنا أن نسأله من فضله وعطائه الجزيل .

    وهذا الحديث الذي بين أيدينا خير شاهد على فضل الله تعالى على عباده المؤمنين ، فالله سبحانه وتعالى لما حثّ عباده على التسابق في ميادين الطاعة والعبادة ، لم يجعل جزاء الحسنة بمثلها ، ولكنه ضاعف أجرها وثوابها عشرة أضعاف ، كما قال سبحانه : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) ، ثم ضاعف هذه العشرة سبعين ضعفا ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن الله تعالى يُكاثر هذه الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة ، لمن شاء من عباده .

    وقد جاء في القرآن تصوير هذه الحقيقة في مثل رائع ، يجسد فيه معنى المضاعفة ، ويقرّب صورتها إلى أذهان السامعين ، إنه مشهد من يبذر بذرة في أرض خصبة ، فتنمو هذه البذرة وتكبر حتى تخرج منها سبع سنابل ، العود منها يحمل مائة حبة ، ثم تتضاعف هذه السنابل على نحو يصعب على البشر عده وإحصاؤه ، كذلك حال المؤمن المخلص لربه ، المحسن في عمله ، قال تعالى في محكم التنزيل : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } ( البقرة : 261 ) .

    ولا يقتصر فضل الله عند هذا الحد ، بل يتسع حتى يشمل مجرد الهم والعزم على فعل العمل الصالح ، فإن العبد إذا هم بالحسنة ولم يفعلها ، كتب الله له حسنة كاملة – كما هو نص الحديث - ، لأن الله سبحانه جعل مجرد إرادة الخير عملا صالحا يستحق العبد أن ينال عليه أجرا .

    ذلك حال من هم بالحسنة ، أما من هم بالسيئة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) ، ولعل السر في ذلك : أن العبد إذا كان الدافع له على ترك المعصية هو خوف الله والمهابة منه ، فعندها تُكتب له هذه الحسنة ، وقد أتى بيان ذلك في الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( وإن تركها – أي السيئة - فاكتبوها له حسنة ؛ إنما تركها من جرائي ) ومعناها : طلبا لرضا الله تعالى.

    وهذا بخلاف من همّ بالسيئة وسعى لفعلها ، ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها ، فهذا وإن لم يعمل السيئة ، إلا أنه آثم بها ، مؤاخذ عليها ؛ لأنه سعى إلى المعصية ولم يردعه عن الفعل خوف من الله ، أو وازعٌ من الضمير ، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . فقيل : يا رسول الله . هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟
    قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) .

    وإذا ضعف وازع الخير في نفس المؤمن ، وارتكب ما حرمه الله عليه ، كُتبت عليه سيئة واحدة فحسب ، كما قال الله عزوجل في كتابه : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } ( الأنعام : 160 ) ، وذلك من تمام عدله سبحانه .

    وعلاوة على ذلك ، فقد تدرك الرحمة الإلهية من شاء من خلقه ، فيتجاوز الله عن زلته ويغفر ذنبه ، كما دلّ على ذلك رواية مسلم : ( فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة أو محاها ) فهو إذاً بين عدل الله تعالى وفضله .

    فإذا استشعر العبد هذه المعاني السامية أفاضت على قلبه الطمأنينة والسكينة ، والرجاء بالمغفرة ، ودفعته إلى الجد في الاستقامة ،
    والتصميم على المواصلة ، بعزيمة لا تنطفيء ، وهمّة لا تلين .

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في السبت أغسطس 21, 2010 11:46 pm

    الحديث الواحد و الأربعون

    عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) ، حديث صحيح ، رُويناه في كتاب الحجّة بإسناد صحيح .


    الشرح

    من أعظم المباديء التي حرص الإسلام على ترسيخها في النفوس المؤمنة ، الانقياد لأحكام الشرع وتعاليمه ، بحيث تصبح أقوال الإنسان وأفعاله صادرة عن الشرع ، مرتبطة بأحكامه ، وحينئذٍ تتكامل جوانب الإيمان في وجدانه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي معنا : ( لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) .


    ولهذا الحديث مدلوله في بيان ضرورة التزام منهج الله تعالى ، والإذعان لأحكامه وشرائعه ، فإن المؤمن إذا رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، حمله ذلك على أن يحكّم شرع الله في حياته ، فيحل حلاله ، ويحرم حرامه ، ويحب ما دعا إليه ، ويبغض ما نهى عنه ، ولا يجد في ذلك ضيقا أو تبرما ، بل إننا نقول : لا يعد إيمان العبد صادقا حتى يكون على مثل هذه الحالة من الانقياد ظاهرا وباطنا ، والتسليم التام لحكم الله ورسوله ، كما دلّ عليه قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ( النساء : 56 ) .


    وهذا يقتضي من العبد أن يحب الله ورسوله فوق كل شيء ، ويقدّم أمرهما على كل أمر ،كما قال تعالى : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } ( التوبة : 24 ) .


    ولسنا نريد بهذه المحبة مجرد كلمات تقال ، أو شعارات ترفع ، لا تثمر عملا ولا انقيادا ، فإن لكل محبة دليلا ، ودليل صدق المحبة موافقة المحبوب في مراده ، وعدم إتيان ما يكرهه أويبغضه ، وإلا فهي دعاوى لا حقيقة لها ، وقد قال العلماء : " كل من ادّعى محبة الله ، ولم يوافق الله في أمره ، فدعواه باطلة " .


    وإنك لتقرأ في سير الصحابة الكرام ومن بعدهم ، فتعتريك الدهشة حين تجد منهم الامتثال الفوري للدين ، دون تأخير أو إبطاء ، واستمع إلى أنس رضي الله عنه وهو يصف لنا مشهدا من غزوة خيبر فيقول : " أصبنا حمرا فطبخناها ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، فإنها رجس ، فأكفئت القدور بما فيها ، وإنها لتفور باللحم " ، وقريبٌ من ذلك ما ذكر في يوم تحريم الخمر ، إذ امتلأت طرق المدينة بالخمور المراقة على الأرض ، هذا مع شدة حبهم لها ، وتعلقهم بها منذ الجاهلية ، ولكنهم – رضي الله عنهم – قدموا رضا الله فوق كل شيء ، ولم يتقاعسوا عن طاعته طرفة عين .


    وكفى بهذا الانقياد ثمرة أن يجد المرء في قلبه حلاوة الإيمان ولذته ، فقد روى البخاري و مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : - وذكر منها – أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) .


    وإذا عدنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) لعلمنا أن الغاية المطلوبة هي إخضاع رغبات النفس ومرادها لأوامر الشرع ، وليس المراد أن يحصل التوافق التام بين رغباتها وبين مراد الشارع ، فإن ذلك في الحقيقة أمر عسير ، إذ النفس مفطورة على اتباع الهوى ، والأمر بالسوء ، فجاء الحديث ليبيّن أن اكتمال الإيمان مرهون بالانقياد للشرع ، ولم يعلّق كمال الإيمان على تغيير طبيعة النفس ، المجبولة على حب المعاصي والشهوات إلا من رحم الله .


    ومن هنا ندرك أن مخالفة الهوى تتطلّب همّة عالية ، وعزيمة صادقة ، فلا عجب أن يكون جهاد النفس من أفضل الجهاد عند الله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه ) رواه ابن النجار وصحّحه الألباني .


    بقي أن نشير إلى أن هذا الحديث قد اختلف العلماء في صحّته ، فالإمام النووي – كما هو ظاهر في المتن – يصحّح الحديث ، وتبعه على ذلك الحافظ أبو نعيم وغيرهما ، كما وثّق الحافظ ابن حجر العسقلاني رجال السند ، في حين أن الحافظ ابن رجب قد حكم على الحديث بالضعف ، وذلك لضعف أحد رواته .


    بيد أن المعنى الذي جاء به هذا الحديث له أصل في الشريعة ، وقد أشارت نصوص الكتاب والسنة إليها – كما بينا ذلك من خلال المقال - ، والله الموفق

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في السبت أغسطس 21, 2010 11:47 pm

    الحديث التاسع و الثلاثون


    عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه ) ، حديث حسن رواه ابن ماجة و البيهقي وغيرهما .

    الشرح

    كانت الأمم السابقة تؤاخذ على أخطائها ، وتحاسب على جميع أفعالها ، دون أن تكون مبررات الجهل أو النسيان شفيعةً لهم ، أو سببا في التجاوز عنهم ، في حين أن هذه الأغلال قد رُفعت عن هذه الأمة ، استجابةً لدعائهم ، ورحمةً من الله بهم ، كما بيّن الله تعالى ذلك في قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ( البقرة : 286 ) ، وقوله سبحانه : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما } ( الأحزاب : 5 ) .

    والحديث الذي بين أيدينا ما هو إلا مظهر من مظاهر رفع الأغلال والآصار عن أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويتجلّى ذلك إذا علمنا أن هذا الحديث يدخل فيه كثير من الأحكام الشرعية في مختلف أبواب العلم ، حتى إن الإمام النووي رحمه الله قال : " وهذا الحديث اشتمل على فوائد وأمور مهمة ، لو جُمعت لبلغت مصنفا " .

    وصدق الإمام في ذلك ، لأننا إذا تأملنا أفعال العباد فإنها لا تخلو من حالين : أن تكون صادرة عن قصد واختيار من المكلف - وهذا هو الفعل العمد الذي يحاسب عليه صاحبه ويؤاخذ به - ، أو ألا يكون عمله مبنيا على القصد والاختيار ، وهذا يشمل الإكراه والنسيان والخطأ ، وهو ما جاء الحديث ببيانه .

    فأما الخطأ ، فهو أن يريد الإنسان فعل شيء ، فيأتي فعله على غير مراده ، فهذا قد بينت الشريعة أن الله قد تجاوز عنه ، ولم يؤاخذ صاحبه به .

    ولعل من لطيف الأمثلة في هذا الباب ، ما ذكره البخاري و مسلم في غزوة خيبر ، لما تبارز الصحابي الجليل عامر بن الأكوع رضي الله عنه مع مشرك ، فأراد عامر أن يقتل ذلك المشرك فرجعت ضربته على نفسه فمات ، فتحدث نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عامرا قتل نفسه فبطل بذلك عمله ، فذهب أخوه سلمة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له : ( مالك ؟ ) فقال له : قالوا إن عامرا بطل عمله ، فقال : ( من قال ذلك ؟ ) ، فقال له : نفر من أصحابك ، فقال : ( كذب أولئك ، بل له الأجر مرتين ) ، ففي هذه الحادثة لم يقصد هذا الصحابي أن يقتل نفسه ، بل كان يريد أن يقتل ذلك المشرك فجاءت ضربته عليه ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خطأه هذا معفو عنه .

    على أن رفع الإثم والحرج عن المخطيء لا يعني بالضرورة عدم ترتب أحكام خطئه عليه ، خصوصا فيما يتعلق بحقوق العباد ؛ لذلك يطالب المسلم بالدية والكفارة إذا قتل مسلما خطأ ، كما بين الله تعالى ذلك في قوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما } ( النساء : 92 ) .

    وأما النسيان : فقد بينت الشريعة أنه معفو عنه ، ويشهد لذلك قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة : 286 ) ، ومع ذلك فإن الأحكام الأخرى تترتب عليه كما أشرنا سابقا ، فمن نسي الصلاة فيجب عليه أن يقضيها متى ما ذكرها ، ومن نسي الوضوء ثم صلّى فإنه تلزمه إعادة تلك الصلاة .

    وثالث هذه الأحوال : الإكراه ، فقد يُكره العبد على فعل شيء لا يريده ، وحينئذٍ لا يقع عليه الإثم أو الحرج .

    وقد أنزل الله تعالى قوله : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) لما أجبر المشركون عمار بن ياسر رضي الله عنه على قول كلمة الكفر ، فكانت هذه الآية دليلا على نفي الحرج عن كل من كانت حاله كذلك .

    وقد استثنى أهل العلم جملة من المسائل لا تدخل ضمن قاعدة رفع الحرج بالإكراه ، نحو قتل النفس المعصومة أو الزنا ونحو ذلك مما ذكره أهل العلم في كتب قواعد الفقه .

    وحاصل الأمر ، فإن هذا الحديث من أوضح الأدلة على يُسر منهج الإسلام وسماحته ، كما إنه دليل على فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم ، حيث خفّف الله عنها ما كان على الأمم قبلها ، فلله الحمد من قبل ومن بعد على نعمة الإسلام

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في الثلاثاء سبتمبر 07, 2010 1:42 am


    رقم الحديث التاسع عشر

    عن أبي العَبَّاس عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْاسٍ رَضي اللهُ عنهما قال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يًوْماً، فقال: " يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كلِماتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَك، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجاهَك، إذا سأَلْتَ فاسْأَلِ اللهَ، وإذا اسْتَعنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ، واعْلَمْ أنَّ الأُمَّة لَو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُـوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا على أن يَضُرَّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضُروكَ إلا بِشَيء قد كَتَبهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رواه الترمذي وقال:حديث حسن صحيحٌ .

    وفي رواية غير الترمذي [رواية الإمام أحمد ]: "احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْكَ فـي الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، ومَا أَصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وأنَّ معَ الْعُسْرِ يُسْراً ".


    أهمية الحديث:

    قال ابن رجب الحنبلي في كتابة " جامع العلوم والحكم" : وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين.

    مفردات الحديث:

    "احفظ الله": اعرف حدوده وقف عندها.

    "يحفظك": يصونك ويحميك في نفسك وأهلك، ودينك ودنياك.

    "تُجاهك": أمامك، أي تجده معك بالحفظ والتأييد، والنصرة والمعونة حيثما كنت.

    "رُفعت الأقلامُ": تركت الكتابة بها، والمراد أنه قد قدر كل شيء في علم الله تعالى وانتهى.

    "جفَّت الصحف": المراد بالصحف ما كتب فيه مقادير المخلوقات كاللوح المحفوظ، وجفافها: انتهاء الأمر واستقراره، فلا تبديل فيها ولا تغيير.

    المعنى العام:

    اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه الأمة، وتنشئة الجيل المؤمن المثالي:

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً أن يغرس العقيدة السليمة في نفوس المؤمنين، وخاصة الشباب منهم.

    وكان مرة قد أردف خلفه ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فوجَّه إليه تلك النصائح الرائعة، التي من شأنها أن تجعل المسلم يلتزم أوامر الله تعالى، ويستمد العون والنصرة منه وحده، فيصبح شجاعاً مقداماً، لا ترهبه المواقف ولا تخيفه المخاطر، يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، إذ علم أن الأمر كله بيد الله العزيز الحكيم، وأنه لا يملك أحد من الناس ضراً ولا نفعاً لأحد إلا بإذن الله تعالى.

    احفظ الله يحفظك: التزم أوامر الله تعالى، فقف عند حدوده فلا تقربها، وإياك أن تتعداها، وقم بما فرض عليك ولا تتهاون به، وابتعد عما نهاك عنه واجعل بينك وبينه حجاباً، وانظر عندها كيف يحفظ الله تعالى عليك دينك، ويصون عقيدتك من الزيغ، ويقيك من هواجس النفس ورجس الضلال، وكيف يحميك من شرار الخلق، ويمنعك من شياطين الإنس والجن، ويدفع عنك كل أذى أو ضيم.

    وإن أنت حفظت الله تعالى في دنياك حفظك في آخرتك، فوقاك من النار وأعدّ لك جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين: تناديك الملائكة مرحبة ومكرمة: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 32-35]. وفاءً بما بشَّرك به الله تعالى إذ قال:{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].

    نصرة الله تعالى وتأييده: من حفظ الله تعالى كان معه، يعينه وينصره، ويحميه ويؤيده، ويوفقه ويسدده، كلما حلك الظلام أو ضاقت به الأحوال: "احفظ الله تجده تجاهك" تجده معك حارساً وحامياً، وعضداً وسنداً: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].

    ولكن نصرة الله تعالى وتأييده مرتبطان بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فمن أطاع الله تعالى نصره وأيده، ومن عصاه خذله وأذله: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

    شبابك قبل هرمك: من حفظ الله تعالى في شبابه وقوته حفظه الله تعالى حالَ كبره وضعف قوته، ومتَّعه بسمعه وبصره وعقله، وأكرم نزلَه يوم القيامة، فأظلَّه بظَّل عرشه حيثُ لا ظِلَّ إلا ظلّه، كما ثبت في الصحيحين: " سبعة يظللهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشابُ نشأ في عبادة الله عز وجل..".

    ولعل هذا هو السر في توجيهه صلى الله عليه وسلم هذه الوصية لابن عمه رضي الله عنه، وهو فتى في مقتبل العمر، ليغتنم الشباب وحيويته، والفتوة ونشاطها.



    التوجه إلى الله تعالى وحده بالاستعانة والدعاء والسؤال: يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه- ومن على طريقه من المؤمنين الصادقين- أن يكون توجهه دائماً وأبداً إلى الله سبحانه وتعالى العلي القدير، ومنه وحده يطلب العطاء، وبه يستغاث ويستعان، فلا يسأل سواه، ولا يستمد العون من غيره، كما لا يتوجه بالدعاء والشكر إلا إليه، ولا ترجى المغفرة إلا لديه، ولا يركع أو يسجد إلا بين يديه "إذا سألت فاسأل الله.

    السؤال ممن لا يملّ العطاء: من كمال التوحيد ترك سؤال الناس، وأن يطلب المسلم من الله وحده في كل شأن من الشؤون، لأنه سبحانه هو الذي الحَّ على عباده أن يسألوه، قال تعالى:

    {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [ النساء: 32].

    وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سَلُوا الله من فضله، فإن الله يُحبُّ أن يُسأل". وهو سبحانه الذي لا يمل سؤالاً ولا طلباً، لأن خزائنه ملأى لا تنفذ: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [ النحل:96].

    سؤال غير الله ذلة ومهانة: إن الناس إذا سئلوا: فإما أن يعطوا وإما أن يمنعوا، وهم إن أعطوا مَنَّوا، وإن منعوا، أهانوا وأذلوا، وكل ذلك مما يحز في نفس المسلم ويدخل عليه المقت والكرب، ويحط من كرامته، وينال من عزته، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم ربما أخذ العهد على من يبايعه على الإسلام أن لا يسأل الناس شيئاً، وقد بايع جماعة من الصحابة على ذلك، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وعوف بن مالك، رضي الله عنهم.

    الاستعانة بالقوي الذي لا يُغْلَب: الاستعانة إنما بالقوي القادر على الإعانة، والعبد يحتاج إلى الإعانة في كل كبير وصغير، ولا قادر على ذلك إلا الله سبحانه، وغيره عاجز عن أن يدفع عن نفسه ضراً أو يجلب لها نفعاً، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول: {إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160].

    الاستعانة بغير الله عز وجل استكانة وضعف: إن الاستعانة تستدعي إظهار ضعف المستعين وحاجته ومسكنته، وهذا تذلل وافتقار لا يكون إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة، فإن كان لغيره تعالى كان ذلاً واستكانة لا جدوى منها.

    الإيمان بالقضاء والقدر سكينة واطمئنان: بعد الثقة بحفظ الله تعالى وتأييده، والاعتماد عليه وحده في كل الشؤون، لا يُبالي العبد المؤمن بما يدبره الخلق أو يفعله العبد، بل فليعلم أن الخير والشر بتقدير الله تعالى، وأن النفع والضر بإرادته، وليس للعالمين من الأمر شيء: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]. وإنما العباد أسباب لينالوا الثواب أو يستحقوا العقاب: "واعلمْ أن الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضُّروك بشيءٍ لم يضُّروك إلا بشيء قد كتبَه الله عليك". {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].

    فلا يستطيع أحد أن يحصل لك أذى لم يقدره الله عليك، بل يدفعه الله سبحانه عنك، وكذلك إذا أغراك أحد بالنفع فلا يمكن أن يحقق لك ما يعدك به، إذا كان الله سبحانه لم يرده لك: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [ الحديد:22].

    روى أحمد وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتى يعلمَ أنَّ ما أصابَه لم يكنْ ليخطَئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبَه".

    الإيمان بالقضاء والقدر شجاعة وإقدام: بعد ما ثبت أن النفع والضر قدر محتم، لا ينال المرء منه إلا ما سبق في علم الله عز وجل أنه مصيبه، وإذاً فليندفع المؤمن إلى ما أمره الله به، وليقل الحق ولو على نفسه، ولا يخاف في الله لومة لائم، وليقف مواقف الشجاعة والبطولة، دون أن يخاف الموت أو يرجو الحياة، معلناً صدق يقينه بما يتلوه من قول الله عز وجل:{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]. ولطالما أن المقدر لا بد أن يسعى إليه من قدر عليه: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]. أي لو لم تخرجوا إلى المعركة، وبقيتم في منازلكم، لخرج من قدر عليهم أن يموتوا قتلاً إلى الأماكن التي قُتلوا فيها، طوعاً من عند أنفسهم، ليقتلوا هناك.

    الإيمان لا استسلام، وتوكل لا تواكل: إن الإيمان بالقضاء والقدر، بالمعنى الذي سبق، يدلنا على بطلان ادعاء أولئك الجبناء المتخاذلين، المستسلمين لشهواتهم وأهوائهم، عندما يحتجون لانحرافهم وضلالهم، واستمرارهم على المعصية وإصرارهم، ويحتجون بتقدير الله تعالى ذلك عليهم، في حال أن الله تعالى- الذي أمرنا بالأيمان بقضائه وقدره- أمرنا بالعمل فقال سبحانه: {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} [التوبة: 105]. ورسوله صلى الله عليه وسلم، الذي هو قدوتنا في كل شيء، أبان لنا أن على المسلم أن يأخذ بالأسباب، من العمل والسعي وبذل الجهد، فمن ترك الأسباب محتجاً بالقدر فقد عصى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخالف شرعة الإسلام، لأن ترك الأسباب تواكل وكسل لا يرتضيه الإسلام، والأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله تعالى وحده في تحقيق النتائج توكل وأيمان، روى مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ".

    النصر مع الصبر: إن حياة الإنسان معارك متنوعة، يتعرض فيها لأعداء كثيرة ومتلونة، وإن انتصاره في هذه المعارك مرتبط بمدى صبره مترتب عليه. فالصبر هو طريق الظفر بالمطلوب، وهو السلاح الفعال لقهر العدو بمختلف أشكاله، خفياً كان أم ظاهراً، لذا جعله الله عز وجل مادة الاختبار لعباده في هذه الحياة، ليميزَ الخبيث من الطيب، ويعلم الصادق المتيقن من المنافق المرتاب: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]. {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [أل عمران: 186]. أي من الأمور التي ينبغي أن يعزم عليها كل عاقل ويوطن نفسه عليها، لما فيها من كمال المزية والشرف.

    ونحن لو استعرضنا آيات الله عز وجل، وأحاديث رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، لوجدنا أن كلمة الصبر ترد في مواطن عدة، كلها تلتقي على المعنى المذكور للصبر، وتهدف إلى غاية واحدة وتحقق النتيجة نفسها، ألا وهي الفوز والانتصار. ومن هذه المواطن:

    أ- الصبر على فعل الطاعة وترك المعصية

    ب- الصبر على المصائب

    ج- الصبر في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    د- الصبر في ميادين القتال ومنازلة الكفار

    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في الثلاثاء سبتمبر 07, 2010 1:43 am


    رقم الحديث الرابع و العشرون
    عن أبي ذَرٍّ الْغِفاريِّ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَرْويهِ عن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أَنَّهُ قال: " يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُلْمَ على نَفْسِي وَ جعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فلا تَظَالَمُوا.
    يا عِبادي كُلُّكُمْ ضالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فاسْتَهدُوني أهْدِكُمْ.
    يا عِبادِي كُلُّكُمْ جائعٌ إلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فاسْتَطْعِمُوني أُطْعِمْكُم.
    يا عِبادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فاسْتكْسوني أَكسُكُم.
    يا عِبادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بالليْلِ والنَّهارِ، وأنا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً، فاسْتَغْفِرُوني أُغْفِر لكُمْ.
    يا عِبادِي إِنَّكُمْ لنْ تبْلغُوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبْلُغُوا نفْعي فَتَنْفعُوني.
    يا عِبادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واحدٍ مِنْكُمْ ما زادَ ذلك في مُلْكي شَيئاً.
    يا عِبادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أَفْجرِ قَلْبِ وَاحدٍ مِنْكُمْ ما نَقَصَ مِنْ مُلْكي شَيئاً.
    يا عِبادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وجنَّكُمْ قاموا في صَعِيدٍ، فَسَأَلُوني، فأَعْطَيْتُ كلَّ واحدٍ مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ الْبَحْرَ.
    يا عِبادِي إنَّما هي أعمَالكُمْ أُحْصِيها لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاها، فَمَنْ وَجَدَ خيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلك فَلا يَلومَنَّ إلا نَفْسَهُ"

    رواه مسلم

    مفرادات الحديث"حرمت الظلم": الظلم لغة: وضع الشيء في غير محله. وهو مجاوزة الحد أو التصرف فيحق الناس بغير حق. وهو مستحيل على الله تعالى. ومعنى حرمت الظلم على نفسي : أي لا يقع مني، بل تعاليت عنه وتقدست.
    "ضال": غافل عن الشرائع قبل إرسال الرسل.
    "إلا من هديته": أرشدته إلى ما جاء به الرسل ووفقته إليه.
    "فاستهدوني": اطلبوا مني الهداية.
    "صعيد واحد": أرض واحدة ومقام واحد.
    "المِخْيط": بكسر الميم وسكون الخاء، الإبرة.
    "أُحصيها لكم": أضبطها لكم بعلمي وملائكتي الحفظة.
    "أوفيكم إياها": أوفيكم جزاءها في الآخرة.
    المعنى العام:
    تحريم الظلم على الله: ولفظ الحديث صريح في أن الله عز وجل منع نفسه من الظلم لعباده: "إني حرمت الظلم على نفسي"، وهو صريح في القرآن الكريم أيضاً، قال تعالى: {وما أنا بظلامٍ للعبيد} .
    تحريم الظلم على العباد: حرم الله عز وجل الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرم على كل إنسان أن يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقاً. و الظلم نوعان:
    الأول: ظلم النفس، وأعظمه الإشراك بالله، قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}، لأن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق وعبده مع الله تعالى المنزه عن الشريك.
    ويلي ظلم الإشراك بالله المعاصي والآثام الصغيرة والكبيرة، فإن فيها ظلماً للنفس بإيرادها موارد العذاب والهلاك في الدنيا والآخرة.
    الثاني : ظلم الإنسان لغيره، وقد تكرر تحريمه والتحذير منه في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن الظلم ظلمات يوم القيامة".
    الافتقار إلى الله: والخلق كلهم مفتقرون إلى الله في جلب المصالح ودفع المضار في الدنيا والآخرة، فهم في حاجة ماسة إلى هداية الله ورزقه في الدنيا وهم بحاجة إلى رحمة الله ومغفرته في الآخرة، والمسلم يتقرب إلى الله عز وجل بإظهار الحاجة والافتقار، وتتجلى عبوديته الحقة لله رب العالمين في إحدى الصور الثلاث التالية:
    أولاً: بالسؤال، والله سبحانه وتعالى يحب أن يُظْهِرَ الناسُ حاجتهم لله وأن يسألوه جميع مصالحهم الدينية والدنيوية: من الطعام والشراب والكسوة، كما يسألونه الهداية والمغفرة.
    ثانياً: بطلب الهداية.
    ثالثاً: بالامتثال الكامل، وذلك باجتناب كل ما نهى الله تعالى عنه، وفعل كل ما أمر الله تعالى به.


    خلود
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 74
    نقاط : 140
    تاريخ التسجيل : 08/05/2010
    العمر : 42

    رد: شرح احاديث الاربعين النووية

    مُساهمة من طرف خلود في الثلاثاء سبتمبر 07, 2010 1:44 am


    الحديث السابع والعشرون :


    عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ - رضي الله عنه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ) رواه مسلم


    وعن وابصه بن معبد رضي الله عنه ، قال : أتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فقال : ( جئت تسأل عن البر ؟ ) قلت : نعم ؛ فقال : ( استفت قلبك ؛ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) .
    رواه الإمام أحمد والدارمي بإسناد حسن
    شرح الحديث :

    مفردات الحديث:
    "البر": بكسر الباء، اسم جامع للخير وكل فعل مرضي.
    "حسن الخلق": التخلق بالأخلاق الشريفة.
    "والإثم": الذنب بسائر أنواعه.
    "ما حاك في النفس": ما لم ينشرح له الصدر ولم يطمئن إليه القلب.

    المعنى العام:

    فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم البر في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه بحسن الخلق،وفسَّره في حديث وابصة بما اطمأنت إليه النفس والقلب، وتعليل هذا الاختلاف الوارد في تفسير البر : أنه يطلق ويراد منه أحد اعتبارين مُعَيَّنَيْن:

    أ- أن يراد بالبر معاملة الخَلْق بالإحسان إليهم، وربما خُصَّ بالإحسان إلى الوالدين، فيقال بر الوالدين، ويطلق كثيراً على الإحسان إلى الخَلْق عموماً.

    ب- أن يراد بالبر فعل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، قال الله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

    معرفة الحق من الفطرة: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب"، دليل على أن الله سبحانه وتعالى فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، ورَكَزَ في الطباع محبته، قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة".

    علامتا الإثم: للإثم علامتان: علامة داخلية، وهي ما يتركه في النفس من اضطراب وقلق ونفور وكراهة، لعدم طمأنينتها إليه، قال صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في النفس".

    وعلامة خارجية، وهي كراهية اطلاع وجوه الناس وأماثلهم الذين يستحي منهم، بشرط أن تكون هذه الكراهية دينية، لا الكراهية العادية.

    الفتوى والتقوى: يجب على المسلم أن يترك الفتوى إذا كانت بخلاف ما حاك في نفسه وتردد في صدره، لأن الفتوى غير التقوى والورع، ولأن المفتي ينظر للظاهر، والإنسان يعلم من نفسه ما لا يعلمه المفتي، أو أن المستنكر كان ممن شرح الله صدره، وأفتاه غيره بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فإن الفتوى لا تزيل الشبهة.

    أما إذا كانت الفتوى مدعمة بالدليل الشرعي، فالواجب على المسلم أن يأخذ بالفتوى وأن يلتزمها، وإن لم ينشرح صدره لها، ومثال ذلك الرخصة الشرعية، مثل الفطر في السفر والمرض، وقصر الصلاة في السفر ..

    كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا والتسليم.

    معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم: في حديث وابصة معجزة كبيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أخبره بما في نفسه قبل أن يتكلم به، فقال له:"جئت تسأل عن البر ؟"

    إنزال الناس منازلهم: لقد أحال النبي صلى الله عليه وسلم وابصة على إدراكه القلبي، وعلم أنه يدرك ذلك من نفسه، إذ لا يدرك إلا من كان متين الفهم قوي الذكاء نيِّر القلب، أما غليظ الطبع الضعيف الإدراك فلا يجاب بذلك، لأنه لا يتحصل منه على شيء، وإنما يجاب بالتفصيل عما يحتاج إليه من الأوامر والنواهي الشرعية.

    ما يستفاد من الحديث

    يرشد الحديث إلى التخلق بمكارم الأخلاق، لأن حسن الخلق من أعظم خصال البر.
    قيمة القلب في الإسلام واستفتاؤه قبل العمل.
    أن الدين وازع ومراقب داخلي، بخلاف القوانين الوضعية، فإن الوازع فيها خارجي.
    إن الدين يمنع من اقتراف الإثم، لأنه يجعل النفس رقيبة على كل إنسان مع ربه

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 11:56 am